ابن المقفع

15

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

عمّ المنصور بعد فشله في طلب الخلافة إلى أخيه سليمان في البصرة ، فجدّ أبو جعفر في طلبه ، ورفض سليمان تسليم أخيه إليه إلا إذا أخذ عهدا على الخليفة بأن لا يغدر به . وقبل أبو جعفر أن يوقع على صيغة أمان ، وبالغ ابن المقفع - الذي عهد إليه بكتابة هذه الصيغة - في الحرص ، وتشدّد في الشروط ، وكان منها أن يكون « المسلمون في حلّ من بيعة » « 1 » أبي جعفر لو أنه غدر بعمّه عبد اللّه بن علي . فأغاظ هذا الموقف أبا جعفر ، وكان من دواعي الإيعاز بقتله . وإذا صحّ نصّ هذه الوثيقة كما أوردها الجهشياري « 2 » ، دلّ بحق على رغبة ابن المقفع في إحراج الخليفة ، وإثارة الناس عليه إن هو لم يحفظ عهده ، وكان هذا مبررا لكراهية المنصور للكاتب . ويروي الجاحظ سببا آخر وهو أن ابن المقفع هو الذي أغرى عبد الرحمن بن علي بالخليفة المنصور ، وأن المنصور فطن لذلك فقتله . ويرى طه حسين من المحدثين ، أن السبب في قتله يتصل بارائه في رسالة الصحابة ، قال : « أما أنا فأرجح جدا أن الذي قتل ابن المقفع ليست الزندقة ، ولم يقتله تشدّده في الأمان الذي كتبه لعبد اللّه بن عليّ ، لأنه يوشك أن يكون أسطورة ليس لدينا منها نصّ . ولكن لابن المقفع رسالة أخشى أن تكون هي التي قتلته لأنها توشك أن تكون برنامج ثورة ، وهي موجهة إلى المنصور . . هذه الرسالة تسمى رسالة الصحابة » « 3 » . وسواء هذا السبب أو ذاك ، فمقتل ابن المقفع يتصل بمخالفته لسياسة المنصور الذي كان يسرع إلى التنكيل بخصومه ومناوئيه ، وبمن يرى فيهم خطرا على الخلافة العباسية ، كما فعل بأبي مسلم الخراساني * ثقافته كان لابن المقفع من سعة العلم وعمق المعرفة ، ما جعله أحد كبار المثقفين في عصره وتعتبر ثقافته مزيجا من جوانب ثلاثة : فارسي ، وعربي ، ويوناني :

--> ( 1 ) أي أبي جعفر المنصور . ( 2 ) قال الجهشياري في « الوزراء والكتاب » : « وإن أنا نلت عبد اللّه بن عليّ أو واحدا ممن أقدمه معه بصغير من المكروه أو كبير . . فأنا نفي من محمد بن علي بن عبد اللّه ، ومولود لغير رشده وقد حلّ لجميع أمة محمد خلعي من طاعتي وإعانة من ناوأني من جميع الخلق . . . الخ » . ( 3 ) من حديث الشعر والنثر ص : 47 .